الأحد، 1 ديسمبر 2013

أمين معلوف التائه صاحب الثنائيات المجهضة !




إن كنت قد قرأت لأمين معلوف فقد وفرت عليَّ جهدًا طائلاً في التعريف بالرجل وأعماله وإن كنت لم تقرأ له فشمر عن ساعديك قليلاً و اترك الفيس بوك وتويتر و التفت إلى ويكيبديا الهزيلة سوف تعطيك معلومات عنه لا بأس بها كبداية حول نشأته وهجرته وأعماله إلى غير ذلك . 

تلك كانت مقدمة لابد منها في بدء الحديث عن هذا اللبناني الفرنسي الذي يعد نسيج وحده في الأدب العربي، مرت الرواية التاريخية العربية بعدة أطوار حتى وصلت إلى هذا الجيل الذي أجاد اللعب بها إن صح التعبير واستخلاص ما يريد من عبر من تاريخ العرب الحافل بالأتراح والأفراح.
 
جيل يوسف زيدان وأمين معلوف و لاحقًا ربيع جابر و غيرهم من هؤلاء اللذين أسسوا لمصالحة جديدة حقيقية مع التاريخ الذي تناوله باستهانة في البداية جورجي زيدان وعلي أحمد باكثير وحتى عبد الرحمن الشرقاوي الذي ترك لخياله وأهوائه الفكرية العنان في مسرحياته . 

وأقصد هنا بالمصالحة هو احترام المصادر التاريخية والتعامل معها كما ينبغي فأي روائي عربي جاد يتناول التاريخ يدرك إنه يصعب الاعتماد على مصادر معينة كأغاني الأصفهاني مثلا أو مروج الذهب للمسعودي حتى وإن كان يريد أن يترك متنفس لا بأس به لخيال ألف ليلة وليلة المليئة به تلك المصادر ولكن تظل الرواية التاريخية  في رأيي كما هي تحليق للخيال هي أيضًا تأريخ لفترة ما يجب أن تتناول بأمانة وأعرف أن كلامي لن يرضي مشجعي فكرة أتركوا لخيالكم العنان وقدموا التاريخ للمقصلة فالخيال ثم الخيال ثم الخيال هو المنشود .

وحتى لا نطيل في الإسهاب عن الرواية التاريخية العربية وتطورها فلنتحدث عن رواية أمين معلوف الجديدة التائهون التي يقول أمين فى مطلعها انه استلهمها من فترة شبابه بتصرف شديد في الأحداث ولا يخفى على القارئ أن أمين في الرواية هو آدم بطل الرواية صاحب الثنائيات المجهضة المسيحي العربي /العربي الأوروبي/ اللا مؤمن و اللا ملحد / الواقف دومًا في منزلة بين المنزلتين كما وصف نفسه في الرواية .

يسرد علينا معلوف ببساطة وعمق يميزانه دومًا قصة تسع أصدقاء فرقتهم الحرب الأهلية اللبنانية ولبنان هنا في الرواية هو الحاضر الغائب فلم ينطق معلوف باسمه طول الرواية ولكن لا يخفى على أحد أن معلوف يتكلم عن هذا البلد العربي الصغير الذي يدفع دومًا فاتورة خلافات العرب مع بعضهم وخلافاتهم مع الغرب .
يتجمع الأصدقاء بمناسبة وفاة أحدهم وهو الذي كان يمنع فى نفس الوقت تجمعهم لاختلافهم مع سلوك سلكه في فترة الحرب . 

مراد المنشود لدى الصوفيه كما يصفه آدم يموت إثر مرض عضال فيأتي  أصدقاؤه ليتجمعوا مرة أخرى وينشدون هذه المرة مصالحة مع الماضي بكل ما حدث فيه . يأتون من كل فج عميق ليستعرض آدم في أوراقه ما حدث لهم وله خلال أكثر من خمس وعشرين عامًا.

تتنوع ديانات ومذاهب الأصدقاء ولا يبوح معلوف بهوياتهم إلا فى حدود ولكننا نعرفها من إشارات بسيطة فرامز مسلم سني وبلال مسلم شيعي و رمزي مسيحي أرثوذكسي كما أن سميراميس كاثوليكية و وألبير وآدم ومراد وتانيا مسيحيين كذلك  و نعيم يهودي  وهكذا تتضافر الأديان والمذهبيات لتكون لنا هذه الدانتيلا اللبنانية التي في رأيي خرجت قليلا عن نطاق الرهافة المعلوفية المعتادة في رواياته.

لم يعجبني تكديس كل تلك الألوان في علبة واحدة فقد قامت بتشويشي ولم تترك المتنفس اللازم لكل شخصية بمفردها و لا أعرف لم شعرت بيوتوبيا معلوف تنضح من الرواية، صحيح أني لست لبنانية ولم أعش في فترة السبعينات المشهورة بتحررها الفكري ولكن رسم الشخصيات أوحى لي بتواطؤ قلم معلوف مع أمنياته وليس مع ماكان واقع .

تظل حدائق النور وموانىء الشرق من بين كتب معلوف الأكثر تأثيرًا فيَّ بشكل كبير وإن كانت الثانية تلعب على وتر المعايشة الإنسانية الذي لا يمل الكاتب من الحديث حوله وأعذره في ذلك فليس سهلا أن تكون لبناني تركت بلادك بسبب عدم تعايش بضع طوائف جعلوا من بلادهم جحيم مستعر ، ولكن في موانىء الشرق كان العربي مقابل لليهودي إن اعتبرنا الأخيرة قومية ولكن في التائهون عجقة*_ كما يقول اللبنانيين_ هويات وعجقة أفكار تحتاج لتسع روايات وليست رواية واحدة .

اختار معلوف نهاية غير متفائلة على غير عادته في رواياته فلم ينجح الأصدقاء في التلاقي وظل آدم في منزلة بين منزلتي الموت والحياة ، لن ألوم معلوف أبدًا فالمتطلع لحال العرب يدرك أن التفاؤل أصبح درب من الجنون ويحتاج نفس صلبة لم تعد تتوافر لدى كتاب الأدب وقرائه و متذوقيه.
 
*العجقة : الزحمة باللهجة اللبنانية
   معلوف يكتب بالفرنسية ومايأتي إلينا يأتي مترجم

هناك 3 تعليقات:

  1. عرض رائع يا هند احسنتي ..أتمنى قراءة الرواية قريبا

    ردحذف
  2. الرواية تبلغ حوالي 120 جنيهًا انتظريها هدية ^_^

    ردحذف
  3. مبروك المدونة وفى انتظار المزيد من المقالات

    ردحذف